أحمد مصطفى المراغي
51
تفسير المراغي
ثم ارتدوا وطلبوا من موسى أن يعمل لهم آلهة وأصناما . وفي هذا تسلية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عما رآه من اليهود بالمدينة ؛ فإنهم جروا معه على دأب أسلافهم مع أخيه موسى صلوات اللّه عليه ، وإيقاظ المؤمنين ألا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم ومراقبة نعم اللّه تعالى عليهم ، فإن بني إسرائيل وقعوا فيما وقعوا فيه من جزاء غفلتهم عما من اللّه تعالى به عليهم من النعم . الإيضاح ( وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ) أي إنهم تجاوزوه بعناية اللّه وتأييده ، فكأنه معهم بذاته فجاوزه مصاحبا لهم ، فأتوا عقب تجاوزهم إياه ودخولهم في بلاد العرب من البحر الأسيوى على قوم يعبدون أصناما لهم : فقالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة حنينا منهم إلى ما ألفوا في مصر من عبادة المصريين وتماثيلها وأنصابها وقبورها . وسر هذا الطلب أنهم لم يكونوا قد فهموا التوحيد الذي جاء به موسى كما فهمه من آمن من سحرة المصريين ، إذ أن السحرة كانوا من العلماء فأمكنهم التمييز بين آيات اللّه التي لا يقدر عليها غيره والسحر الذي هو من صناعات البشر وعلومهم . ولم يذكر القرآن شيئا يعيّن شأن هؤلاء القوم الذين أتى عليهم بنو إسرائيل . والراجح أنهم من العرب الذين كانوا يقيمون بقرب حدود مصر ؛ روى عن قتادة أنهم من عرب لخم ، وعن ابن جريج أن أصنامهم كانت تماثيل بقر من نحاس . وقد جاء آخر الفصل الثالث عشر من سفر الخروج ( وكان الرب يسير أمامهم نهارا في عمود من غمام ليهديهم الطريق ، وليلا في عمود من نار ليضيء لهم ليسيروا نهارا وليلا ، ولم يبرح عمود الغمام نهارا وعمود النار ليلا من أمام الشعب ) . ثم جاء في الفصل الرابع عشر منه بعد ذكر اتباع فرعون ومن معه لبنى إسرائيل ( فانتقل ملاك اللّه السائر أمام عسكر بني إسرائيل فصار وراءهم وانتقل عمود الغمام من